مؤسسة آل البيت ( ع )

37

مجلة تراثنا

ولكن هنا مسألتان : الأولى : إن الذين سينتفعون من ذلك إنما هم الخاصة من أهل العلم ذوي الباع الطويل في علوم الرواية والدراية وأهل التخصص في هذا الفن ، وهؤلاء أندر من الكبريت الأحمر في كل عصر ومصر ، أما السواد الأعظم من الناس بما فيهم الكثرة الغالبة من أهل المعرفة والاطلاع وحتى بعض المتخصصين في التاريخ فهم بعيدون عن معرفة ذلك والتقحم فيه ، وإنما يقرأون تاريخا مسطورا ومنظما ، ومما يزيد في تقبلهم لكل ما فيه واطمئنانهم إليه هو هذه الأسانيد نفيها ! وهنا انقلب دور هذه الأسانيد لتأتي بالنتيجة المعكوسة تماما عند الغالبية العظمى ، بل عند عامة الأئمة وسائر طبقات المتعلمين من أبنائها على مدى العصور وتعاقب الأجيال ! هذه هي الحقيقة الواقعة . . وهذه هي العاقبة الخطيرة لتلك الطريقة من الحذر . . وسوف تتضح لنا خطورة هذه النتيجة أكثر حين نلتفت إلى أنه ليس المهم في كتابه التاريخ تبرئة الكاتب المصنف أو إلقاء اللوم عليه ، إنما المهم فيه والمطلوب منه هو ما سيتركه من أثر في ثقافة الأجيال ورؤيتها لحقائق التاريخ وأحداثه الهامة . الثانية : إن كبار المؤرخين الذين أخذوا عن الطبري - وهم عادة من خاصة أهل العلم والتحقيق - قد وقعوا في ذلك المحذور في كثير مما أخذوه عنه ، حين اعتمدوا أشد الروايات ضعفا وأكثرها تهافتا ومناقضة للواقع . وهذه حقيقة لائحة للناظر في تاريخ ابن الأثير ( الكامل في التاريخ ) ، وتاريخ ابن كثير ( البداية والنهاية ) ، وتاريخ ابن خلدون ، بل حتى تاريخ المسعودي ( مروج الذهب ) الذي أثنى على تاريخ الطبري أشد الثناء ولم يشر إلى رواياته عن المتروكين والضعفاء .